متوكل على الله في الأرض ومتوكل على الله في السماء

سليل المجد طيب الله ثراه
متوكل على الله في الأرض ومتوكل على الله في السماء

يقول خير الدين الزركلي في كتابه شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز: «كانت للملك عبدالعزيز وثبات في كل خطوة من خطواته في التجديد والإصلاح والإنشاء، ركب الذلول في أسفاره البعيدة، وقد رأى في الطيران تقصيراً للمسافات وتقريباً للبلاد من بعض، وتعجيلاً للبريد وتعزيزاً للصلات بالدول المجاورة وإرهاباً وقوة، فشمر عن ساعد الجد ودعا بالطائرات فاشتريت وبالطيارين فجيء بهم ليخلفهم فيما بعد شبان البلاد» ا.هـ، فيالها من كلمات رائعة تنقل لنا حال من مشى حافي القدمين، وبصره إلى السماء، يجوب البلاد ليطهرها وينقيها ويرفع على كل شبر منها راية التوحيد خفاقة ليلاً ونهاراً، عاش الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- حياته يحمل همَّ هذه الأرض بعد أن جمع شتاتها ووحدها ليعلي على إعمارها ونقل الحضارة والتقدم لها، وكذلك همّ هذا الشعب لرفع مستوى معيشته وجعل حياته كريمة محترمة ليصبح كل فرد من أفراده آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فأسس للكثير من الخدمات التي تعود على المواطن نفعها، مثل الخدمات التعليمية والصحية والأمنية وشؤون الحج وغيرها، بل إن كثيراً منها أرسى دعائمها وبدأ في تنفيذها والبلاد لم يكتمل توحيدها، وهذا – والله – يعود لثقة هذا الرجل العصامي الفذ بربه -عز وجل- بأن النصر سيكون حليفه وأن ما أُعلي اسم الله عليه فهو رابح لا محالة.

ومجال الطيران أو الخدمات الجوية كان من اهتمامات الملك الراحل وهو في حربه الضروس ضد من أشاع الجهل والفوضى ووأد الأمن والأمان في الجزيرة العربية وضد من وقف في وجه الحاج والمعتمر دون بيت الله الحرام، يقول د. أحمد بن ظافر القرني في كتابه الرائع «من جمل الصحراء إلى طيران الفضاء – نظرات في الطيران العتيد في بلاد التوحيد ودور الملك عبدالعزيز في ذلك 1419هـ»، يقول: عرف الملك عبدالعزيز أهمية الطيران خاصة في المعارك التي دارت خلال توحيد البلاد مثل حصار جدة وكذلك دورها في إنهاء التمرد والخلل في الأمن الذي حصل من بعض الإخوان، وقد اطلع الملك عبدالعزيز على الطائرات وتسليحها منذ أيام الحرب العالمية الأولى ففي أول رحلة له خارج جزيرة العرب التي كانت إلى البصرة اطلع على الطائرات البريطانية في أواخر عام 1335هـ (1916م)، وتشير وثائق الخارجية البريطانية إلى أن الملك عبدالعزيز رحمه الله أبدى اهتمامه بإنشاء قوة جوية صغيرة منذ عام 1341هـ.

وكان اهتمام الملك عبدالعزيز بادئ ذي بدء بالطيران العسكري دون المدني منذ أن ضم الحجاز على الرغم من ضعف الموارد المالية وضعف اقتصاد الدولة، كما أنه لا يوجد لصناعة الطيران خبرات فنية وإدارية من شباب البلاد، ولكن الملك عبدالعزيز بنظرة الثاقب ورؤيته الإستراتيجية أمر بتشكيل قوة الطيران عام 1344هـ (1925م)، مكونة من قائد الطائرة وجنودها، وبالرغم من أنه رحمه الله وضع اللبنة الأولى إلا أن هاجس التطوير ودعم هذه القوة يقلق بال المؤسس، وعليه فقد توالت على هذه القوة العسكرية الطائرات والمدربين، وحين فتحت جدة وسُلمت له رحمه الله بموجب اتفاقية جدة 1344هـ كان من بين ما ترك بضع طائرات، فأمر الملك الراحل بدراسة حالتها ومدى الاستفادة منها فجاء في تقرير قائدة مفرزة جدة العسكرية المرفوع إلى الملك عبدالعزيز في 27-1-1347هـ أن الطائرات لا تصلح للعمل فأمر – طيب الله ثراه – ببيعها جميعاً وشراء ثمان طائرات جديدة أفضل منها من نوع (وابيتي) خصص منها طائرتان للتدريب، ولم يغب عن فكر هذا القائد المحنك دور شباب هذا البلد وأهمية دفعه نحو المشاركة في التنمية والتطوير، فقد اشترط – غفر الله له – في عقد توريد هذه الطائرات عام 1348هـ تعليم أبناء هذا الوطن الطيران وعلومه المختلفة وصيانة الطائرات والملاحة الجوية وذلك عبر استقدام اثني عشر مختصاً وستة مهندسين وستة طيارين، وعهد لهؤلاء الخبراء الأجانب الإشراف على هذا العمل فيما سمي بمدرسة أو مركز الطيران وجعل مقره جزيرة دارين على ساحل الخليج العربي مقابل مدينة القطيف، وكان لهذه القوة الجوية العسكرية إسهامات جليلة للوطن فقد استخدمت إحدى طائراته في عام 1938هـ لنقل مصل الجدري إلى مدينة جازان، كما استخدمت في مكافحة الجراد، وكان لها طلعات جوية استعراضية بل قد نظم عرضاً جوياً بحضور الملك عبدالعزيز مؤسس البلاد وباني مجدها وحضارتها وذلك في 14-10-1356هـ، يقول الأستاذ حمزة محمد علي الدباغ في كتابه «من الجمل إلى الطائرة» عن هذا العرض: «وقد أنعم فيه الملك عبدالعزيز رحمه الله على الطيارين السعوديين بالنياشين» ا.هـ، ومن ثم تتابعت التطورات على هذا المركز وحظيت كافة المدن بمراكز مماثلة لتكون سداً منيعاً دفاعاً عن تراب هذا الوطن الطاهر.

أما الطيران المدني فإنه حظي بذات الأهمية عند الملك الراحل، ولكنه تأخر في التدشين حتى وحدت البلاد واستقر الأمن وأصبح «الملك لله ثم لعبدالعزيز» في كافة أرجاء الوطن، ولكن لم تمض سنوات قلائل على التوحيد حتى قامت الحرب العالمية الثانية ودامت ست سنوات ألقت بظلالها المعتم على اقتصاد العالم، وجلبت الشح المالي للعالم أجمع، حتى جاء إبريل من عام 1945م حيث أهدى الرئيس الأمريكي روزفلت طائرة من نوع (داكوتا دي سي 3) فكانت انطلاقة الطيران المدني في المملكة العربية السعودية، يقول الأستاذ حمزة محمد علي الدباغ في كتابه «من الجمل إلى الطائرة»: «قصة الطائرة المهداة من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية فرانكلين روزفلت إلى جلالة الملك عبدالعزيز بمناسبة لقائهما الشهير في البحيرات المرة بقناة السويس على ظهر السفينة الحربية الأمريكية U.S.S QUINCY في 14 فبراير من عام 1945م هي قصة معروفة تم تداولها في وثائق عديدة غير أن هناك تفاصيل وأسرار وحقائق لم يسبق لها أن نشرت وكنت سعيد الحظ بأن أسمعها منذ أكثر من عشرين عاماً -من فم الأسد مباشرة- من الدكتور هاري سنايدر الذي كان لي شرف التلمذة على يديه منذ أكثر من خمسين عاما عندما كان يرأس بعثة التدريب التي شكلتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية استجابة لطلب الملك عبدالعزيز لإنشاء معهد متخصص في تقنيات الطيران المدني، يقول سنايدر: وصلت رسالة من البيت الأبيض الأمريكي إلى إدارة الشؤون العربية بوزارة الخارجية الأمريكية لتقديم اقتراح عن هدية لائقة يقدمها الرئيس روزفلت لجلالة الملك عبدالعزيز بمناسبة لقائهما التاريخي، يقول سنايدر الذي أوكل إليه إعداد الرد في الإجابة على رسالة البيت الأبيض باقتراح طائرة للملك عبدالعزيز لما لهذه الهدية من وقع على مستقبل بلد صحراوي لا تزال وسائل المواصلات فيه بدائية، وقد بذل سنايدر جهدا في إقناع المسؤولين باقتراحه، حينها تم إبلاغ مصنع دوجلاس بتطوير التصميمات الداخلية للطائرة (الهدية) وتحويل مقصورتها الأساسية إلى مجلس ملكي يليق بمكانة الملك عبدالعزيز».

ووصلت هذه الطائرة في أبريل من عام 1945هـ إلى الرياض، وكان الاختيار قد وقع على الكابتن جو غرانت لقيادة الطائرة الذي يقول: «أتذكر بوضوح عندما وصلت، سنة 1945، قائداً لطائرة (دوغلاس دي سي 3) التي أهداها الرئيس فرانكلين روزفلت إلى الملك عبدالعزيز آل سعود»، وتذكر جو غرانت الرحلة الأولى التي قادها برفقة الملك عبدالعزيز على متن أول طائرة سعودية من طراز دي سي 3، إذ كانت تتجه من الرياض إلى جدة، غير أنه لا يذكر المدة التي استغرقتها بدقة، سوى أنها تجاوزت الثلاث ساعات، وقال غرانت الذي توفي من مدة قريبة عن عمر ناهز المائة عام: «كان لكل مكان ذكرى في ذهن الملك، ونحن نطير فوق الجزيرة العربية. هنا ولد، وهنا تربى، وهنا حارب»، وقد أخرج غرانت الكثير من ذكرياته في كتاب أسماه «الملك عبدالعزيز… طائرته وطياره» وقد كتب مقدمته صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار، وفي نفس العام الذي وصلت فيه الطائرة غادر الملك عبدالعزيز مدينة الرياض متجهاً إلى الطائف براً وأثناء الرحلة استدعى الطائرة لتقابله على الطريق إلى الطائف في موقع مدينة عفيف (حالياً) وأكمل الرحلة جواً إلى مطار الحوية بالطائف، وكانت هي أول رحلة جوية للملك عبدالعزيز، يقول الأمير بندر بن عبدالعزيز: «أقلعت طائرة جلالة الملك عبدالعزيز في يوم الأحد 4-10-1364 الفطر الأول وفي معية جلالة الملك سمو الأمير فهد بن عبدالعزيز وسمو الأمير بندر بن عبدالعزيز وبشير اسنداه ورشيد حمزة مستشار جلالة الملك ومن رؤساء البادية عمر بن ربيعان ورئيس برقيات جلالته محمد بن دغيثر وكذلك مطلق بن الجبعاء وعصاب بن منديل وإمام جلالته عبدالرحمن القويز ووكيل أمير المدينة عبدالله السديري وأبنائه وسكرتير جلالة الملك رشدي ملحس وخادم جلالته الخاص أمين وأقلعت الطائرة بجلالته من عفيف الماء المعروف بطريق الحجاز إلى الطائف ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ جلالة مولانا برعايته آمين.. وهذه الطائرة التي أهداها الرئيس روزفلت لجلالة مولانا»، يقول الشاعر تركي بن ماطر الغنامي في مدينته عفيف:

منها أقلت سليل المجد طائرةٌ

من قبلها لم يطر جواً ولم يحم

بعد هذا أمر الملك عبدالعزيز بتأسيس نواة الطيران المدني باسم إدارة الخطوط السعودية تتبع وزارة الدفاع، كما أمر في ذات السنة بشراء طائرتين من نفس النوع تمهيداً لتسيير رحلات منظمة بين مدن الرياض وجدة والظهران والهفوف والطائف، وبعد تأسيس إدارة الخطوط السعودية بأقل من شهرين قامت بأول رحلة دولية إلى مطار اللد في فلسطين قبل احتلالها عام 1366هـ.

ثم توالت نعم الله على هذه البلاد فتطور الطيران المدني وأصبح له جهة تشرف عليه وهي رئاسة الطيران المدني وأنشئت الشركات الناقلة العملاقة والتي تخدم المواطن والمقيم.

وأختم بلمحات جميلة للملك عبدالعزيز غفر الله له حول الطيران ذكرها د.أحمد القرني في كتابه «من جمل الصحراء إلى طيران الفضاء» ومنها:

اللمحة الأولى، نقلاً عن كتاب «كنت مع الملك عبدالعزيز الذي أعده مجموعة من المؤلفين: يقول الشيخ حمود بن عبدالعزيز المشيقح أحد تجار وأعيان بريدة: في عام 1366هـ جاء الملك عبدالعزيز بالطائرات، فقلنا: يا طويل العمر ما كان بودنا انك تجي إلا بالسيارات. فقال (الملك عبدالعزيز رحمه الله): لا، أنا متوكل على الله في الأرض ومتوكل على الله في السماء. وكانت طائرته هي أول طائرة تجي إلى القصيم، وقد أرسل طائرة إلى ابن مساعد (الأمير عبدالعزيز بن مساعد) تجيء به من حايل ولما جاء ظل يدور فوق بريدة فقال الملك: أين ابن مساعد الآن؟! إنه فوق رؤوسنا، وجاء ابن مساعد ليسلم على الملك فقال: أنا أذاني توجعني. فقال الملك: وأنا أذاني توجعني قبلك.

اللمحة الثانية، ذكرها عبدالعزيز الأحيدب في كتابه عن الملك عبدالعزيز: فقد أراد الملك عبدالعزيز أن ينشئ مطاراً في الرياض ولكنه خشي على رعاياه من الذعر والاستنكار لصوت أزيز الطائرات، فأمر بإنشائه بعيداً عن المدينة (في البويبيات) واستغرب البعض بأن السيارة الملكية تخرج كل يوم إلى الصحراء وتعود محملة بأشياء لا يمكن أن تكون من أي مكان من الصحراء، وبدؤوا يتساءلون من أين كل هذا وكيف يصل إلى هنا. وبدأ أعوان الملك يفهمونهم كل حقيقة، وبدأ المطار يتحول صوب الرياض حتى ألف الناس أزيز الطائرات وشكلها ثم بدؤوا يستخدمونها. ولتحول المطار صوب الرياض قصة جميلة يرجع لها في مضانها.

رحم الله المؤسس جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، وكلل جهود أبنائه البررة: خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين وزير الدفاع والطيران صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز والنائب الثاني وزير الداخلية صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز بالنجاح والسداد والتوفيق، كما نسأل الله أن يرفع شأن هذه البلاد ويحفظها من كيد الأعداء وأن يجعل تدبيرهم تدميرهم وأن يحفظ علينا ديننا ودنيانا إنه بر رحيم.

 

 

رابط المقال :

الأحد 25 جمادى الأول 1431   العدد  13737

http://www.al-jazirah.com/2010/20100509/wo2.htm

أضف تعليق