بكى عليك الرجال

كم هو مؤلم على الإنسان الفراق، والأصعب من ذلك أن يكون الفراق فراق الإنسان الذي تحبه، وأعطاك اهتماماً وأحبك، الإنسان الذي يتمنى لك الخير قبل ان يتمناه لنفسه، يسأل عنك في كل وقت ويتمنى لقاءك ويحرص عليه، نعم.. كم هو صعب أن تغمض عينيك وتفتحهما فتجد من أحبه قلبك قد رحل.. نعم رحل عنك للأبد.. لكننا آمنا بالله القائل: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} «34» سورة الأعراف.

وبذلك أؤمن بأن الموت هو إحدى المحطات التي يمر بها الإنسان من بدء خلقه الله تعالى له إلى أن يلقى ربه ويحاسب على ما قدم من عمل وعبادة في حياته الدنيا.

ونحن البشر نملك مشاعر وأحاسيس أوجدها الله فينا ويعلم ربنا أنه مع إيماننا بأن الموت حق وأنه نهاية المرء في حياته الدنيا إلا ان الحزن يخيم علينا حين نفقد عزيزاً قريباً كان أم بعيداً.

ولقد كان يوم الثلاثاء الموافق 18 -1- 1428هـ يوم اغرورقت عيون الكثير بالدموع وتحول الفرح إلى حزن وما كان حلو المذاق أصبح مراً لا أحد يستسيغه وما ذلك إلا لفقد العم الشيخ عبد الله بن سعد بن محمد آل يويسف التميمي أحد أعيان مدينة ثرمداء بمنطقة الوشم وكبير أسرة آل يويسف التميمية والذي رحل عن عمر قارب المئة عام، بعد حياة حفلت بالكثير من المواقف والتجارب والعطاء.

حياة يستهويك سماع تفاصيلها وما جرى فيها فهو حين يتحدث – مثلاً- عن قدومه للرياض من مسقط رأسه ثرمداء وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره ويروي المواقف والقصص حول بحثه عن عمل ولا يجد إلا مجال البناء وهو لا يزال صغيراً قاصراً، فيلاقي التعب والصعوبة والعناء مع زهد الأجر والمردود المادي، بل قد يصل الأمر إلى ان يكد ويكدح ليجد لقمة يسد رمقه بها ذلك اليوم، وقد لا يجد.

حين يتحدث يصغر في عينك كل مجهود تراه يبذل أو يسعى إليه إنسان في سبيل لقمة عيشه الآن في ظل وسائل المواصلات الحديثة وطبيعة الأعمال والوظائف وكثرة الفرص.

كان – رحمه الله – نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً – تقياً عابداً قارئاً للقرآن حريصاً كل الحرص على ما يقربه إلى الله من قول وعمل، وكان قلبه معلقاً بالمسجد تحسبه بقية من بقايا السلف وكأن سعيد بن المسيب يصفه حين يتحدث عن نفسه في قوله: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد.

وكان عمي عبد الله شديد الحرص على صلة الرحم فكان يزور كل قريب له ويتصل أو يأمر أن يتصل له ببعيد يطمأن عليه، والرائع في الأمر انه لا يهتم ولا يفكر في ان المزار أو المتصل عليه أصغر منه وأن الحق له في صلته والسؤال عنه، حتى لما كبرت سنه وأصبح لا يقوى كثيرا على المشي، استخدم العربية لزيارة مرضى في المستشفى أو في منازلهم، ويوصي – غفر الله له – ويأمر من حوله ومن يتحدث معه بأن نتمسك بصلة الرحم وأنها الطريق القويم لتماسك المجتمع وترابطه والسبيل الأقصر للألفة بين أفراده.

وإن زرته في بيته يستقبلك بابتسامة جميلة رائعة تزين محياه ويسأل عنك وعن أهلك وعمن وراءك ويدعو لك ولهم، وإن خطر في بالك الكرم فهو من أكرم الناس وأجودهم، وأحرصهم على راحة ضيوفهم فينزلهم المنزل الحسن ويقربهم منه ويحادثهم ويروي لهم السير وكل موقف فيه عظات وعبر ويودعوه ووفي أنفسهم أجمل وأروع أثر.

بل ستعجب العجب كل العجب هنا، فإنه حين أصيب -رحمه الله- بجلطة وأدخل مدينة الملك فهد الطبية، فقد كل شيء من المعرفة، ماعدا ذكر الله الذي ظل يلهج به لسانه، وكذلك الصلاة وخوفه أن يخرج الوقت دون ان يصلي، حيث كان يتكدر ويصاب بالغم ويبدو الحزن عليه، وذلك حين يصلي وينسى في أي ركعة هو؟ او، هل سجد سجدتين ام بقي أخرى؟ فيقف أحد أولاده – أثابهم الله – بجانبه ليذكره ما نسي، ويقول له استمر أنت في الركعة الثالثة او اسجد السجدة الثانية وقم للركعة الأخرى وهكذا، وهو ينصت وينفذ حتى يتم صلاته، بعدها ترى الفرح والبهجة تعلو محياه أن أتم صلاته دون خلل او نقصان، وإذا فرغ من الذكر والتسبيح التفت لمن حوله وهو لا يعرفهم ولو كانوا أولاده أو أقرباءه، فيقول لهم، هل صليتم؟ ويبدي النصح لهم ويحذرهم من النار ويعود ليذكر الله.

وفي آخر أيامه – رحمه الله – كان على سريره أغلب وقته نائماً أو صامتاً لا يتكلم يقلب بصره فيمن حوله، وإن تكلم فصوت خافت ينم عن تعب ومرض، ولكنه حين يقترب موعد الصلاة – ولو لم يؤذن بعد – ينادي أحد أبنائه ويقول هو أذن، سبحان الله.. إنها تقوى الله التي تربى عليها، وكانت ديدنه في الصغر، وحفظ جوارحه ووجهها للخير والإيمان وطاعة الرحمن فكانت حصناً حصيناً له في الكبر حين غاب عن الوعي والشعور بالدنيا وبمن حوله من البشر.

رحلت يا عمي وقد تركت أثراً عظيماً في قلوبنا حزنا على فراقك، ولكنك أيها العظيم بسيرتك وسجاياك وأخلاقك خلفت فينا بصمات رفيعة رائعة وهي بصمة حب الخير وبصمة الحرص على عبادة الله والتقرب له بالأقوال والأعمال وبصمة في طريقة التعامل مع الحياة والتغلب على مشاقها.

وما تزال رائحة ماضيك الجميل الذي كنت ترويه لنا في كل جلسة معك وحرصك على أخذ العبرة منه تحلق في ذاكرتنا..

يقولون عيبٌ بكاء الرجل

فوالله قولهم زوراً وبهتانا

لو فقدوا ما فقدت لبكوا

كما تبكي الأرامل الحزانى

بكيتك وأبكيك عند التذكرة

فالبكاء يزيل أو يخفف الأحزانا

ونحن نحسب ان الله أنزل له القبول في الأرض فقد أحبه كل الناس وترحم عليه وبكاه كل من سمع عنه، ويشهد لذلك الخلق الكثير الذين حضروا للصلاة عليه في جامع مدينة ثرمداء، اصطفوا خلف الإمام يدعون الله له بالمغفرة والرحمة ويسألون له نعيماً من عنده وجنات تجري من تحتها الأنهار، ويشهد كذلك الجمع الغفير الذي حضر وشارك في دفنه ومواراته في الثرى والدعاء له بالثبات عند قبره.

والعم الراحل: عبد الله بن سعد الدخيل من الذين يرجى لهم خير عند ربهم، وهذا من باب الثقة بموعود الله في أن من أثنى عليه الناس بخير فهو في خير وإلى خير، كما ورد في السنة المطهرة حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أنتم شهداء الله في أرضه)، وهنا أذكر ما رآه العم الفاضل محمد بن جاسر (أبو أحمد) – حفظه الله – في المنام حين رأى عمي عبد الله – رحمه الله- وكأنه في مزرعته السابقة والتي تسمى الرفيعة، ويمكن القول – والله أعلم وهو مالك كل شيء – أن الله غفر له بما زرع في الدنيا من خير وصلاح وتقوى وكافأه بمنزلة رفيعة عنده في جنات النعيم ولا نملك نحن هنا إلا أن ندعو لك بأن يرحمك الله ويسكنك فسيح جناته، ويحشرك مع زمرة النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.

اللهم أبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، ووسع مدخله، وأغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وجميع موتى المسلمين.

وأسألك ياحي ياقيوم أن تجمعنا به وجميع المسلمين في دار كرامتك، إنك سميع مجيب.

كما نسأل الله العلي القدير ان يلهم أبناء العم العزيز محمد والشيخ سليمان وإبراهيم وعبد الرحمن وسعد وبناته وأحفادهم الصبر والسلوان وأن يكونوا أبناء صالحين يدعون له ويخلفونه بخير ويستلهمون من حياة الفقيد كل ما يرتقي بهم إلى المعالي والرفعة في الدارين والله هو المولى وهو نعم النصير

رابط المقال :

الجمعة 5 صفر 1428   العدد  12566

http://www.al-jazirah.com/2007/20070223/rj1.htm

أضف تعليق