قراءة في كتاب القيم الأمنية للتميمي

القفزات النوعية التي تشهدها المملكة العربية السعودية في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، جعلت السعودية دولة رائدة يشار لها بالبنان في التطور والقدرة على التغيير نحو آفاق مستقبلية واعدة ، ومن عتاد هذه القفزات ومن عوامله الرئيسة شعب جبار وعظيم كما وصفه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وهذا الشعب يحمل قيماً يؤمن بها ومغروسة في النفوس لديه، وتؤكدها القوانين والتشريعات التي يحكم بها، ولكن لايزال أعداء الوطن يسعون ليل نهار وبأشكال وأنماط مختلفة لزعزعه هذه القيم والنيل من هذا الوطن، وتمزيقه وتشتيت جهود وحدته، ببث سموم وأفكار هدامة، يقول سمو ولي العهد: ” من المهم معرفة أن لكل دولة قيماً مختلفة ويجب احترامها”، ومن هذا المنطلق يرى الدكتور محمد التميمي من خلال كتابه الرائع: “القيم الأمنية مفهومها، تعريفها، مقاييسها، مجالاتها” أهمية الاهتمام بالقيم الأمنية وتعزيزها فيقول في مقدمته: “”إن هذا الكتاب جاء ليسهم- بعون الله تعالى- في زيادة الاهتمام بزرع القيم الأمنية في نفوس النشء بشكل عام، وتأصيلها في رجال الأمن بشكل خاص، وهو ما أكدته دراسات أمنية عدة؛ فتدريب رجل الأمن وتأهيله القيمي من أهم محصنات الأمن الوطني والاجتماعي في أي مجتمع بل يعد من الضرورات القصوى لاستدامة الأمن والاستقرار فيه”.

وقد حوى الكتاب على فصلين الأول منهما اشتمل على مبحثين؛ عرف المؤلف في المبحث الأول القيم بشكل عام وأتى بتصنيفها وأهميتها وكيفية قياسها، وفي الثاني تحدث عن مفهوم القيم الأمنية اللغوي والاصطلاحي، تلاه ذكر وظائف القيم الأمنية ومجالاتها، في حين جاء الفصل الثاني مشتملاً على ستة مباحث جعل كل مبحث يتحدث عن مجال من مجالات القيم الأمنية والتي هي: القيم الأمنية العقدية، والوطنية، والمجتمعية، والثقافية والتربوية، والعسكرية، والاقتصادية، وتحت كل مجال من هذه المجالات مجموعة من القيم التي تخدمه، ويأتي بالشواهد عليها من الكتاب والسنة وأقوال العلماء حولها.

وفي توافق مع ما جاءت به رؤية السعودية 2030 تحت محور مجتمع حيوي، أكد د.التميمي في مجال القيم الأمنية الوطنية، على قيم؛ الاعتزاز بالهوية الإسلامية، والهوية الوطنية السعودية؛ التي هي أرض الحرمين الشريفين، أطهر بقاع الأرض وقبلة أكثر من مليار مسلم، مما يجعلها قلب العالمين العربي والإسلامي، وركز أيضاً على قيمة المواطنة الصالحة؛ بأن يعمل الفرد داخل وطنه بفعالية نافعة، وإيجابية مؤثرة وأن يحافظ على مكتسبات الوطن، والمساهمة في دفع عجلة البناء والتطور الحضاري، والتحرر من أشكال التعصب والعنصرية المقيتة، والقضاء على الأحزاب والجماعات المضللة والفرق المنحرفة.

وفي مبحث خاص بالقيم الأمنية المجتمعية أورد التميمي عدة قيم منها؛ قيمة الالتزام بالمسؤوليات بأن يكون الفرد مسؤولاً عمّا يصدر عنه من أقوال وأفعال، وأن يؤدي ما عليه من واجبات والتزامات تجاه دينه، وولاة أمره، ونفسه، والمجتمع، وكذلك قيمة حسن الظن، ويطالب د. محمد بالامتناع عن إساءة الظن أو اعتقاد الشر في الآخرين أو ترجيحه على جانب يحتمل الأمرين، فحسن الظن يعزز ثقة الفرد بنفسه ويجعله في تعاون مع الآخرين، ليخلق علاقات متماسكة قوية في المجتمع.

وفي مجال القيم الأمنية الثقافية والتربوية؛ تحدث المؤلف عن أهمية الانفتاح الثقافي الإيجابي، وعدم الاكتفاء بالثقافة الخاصة، والسعي لاكتساب المعارف العالمية السامية والثقافات المتنوعة، يقول سمو ولي العهد في هذا: “كل دول العالم …لديها العديد من القيم التي تتفق بشأنها وعدد من القيم التي نختلف فيها، إلا أن القيم والمبادئ الصحيحة والجيدة دائماً ما تؤثر على شعوب الدول الأخرى بالذات في الوقت الذي نرى فيه ترابطاً بين شعوب العالم بشكل غير مسبوق”. وعن قيمة الحماية من مظاهر الغزو الفكري حث د. التميمي على مواجهة الأفكار الهدامة التي تستهدف الوطن ولحمته والتفرق والتشتت ومعاداة الوطن ومقدراته، كما تناول قيمة التوعية بأخطار التلوث البيئي وأهمية الحفاظ على البيئة الطبيعية وعدم الإضرار بالكائنات الحية بأي وجه ومسوغ، متوائمة هذه القيم مع هدف رؤية السعودية 2030 بحماية البيئة الطبيعية في المملكة وتعزيزها، من خلال تبني رؤية شمولية للنظم البيئية الثمينة، وتشجيع الممارسات الزراعية المستدامة في جميع أنحاء المملكة لتوفير مواد غذائية محلية آمنة وعالية الجودة، مع الحفاظ على توازن المياه واستعادة التنوع البيولوجي.

وعن القيم الأمنية الاقتصادية؛ تحدث المؤلف عن قيمٍ تؤدي إلى الاستقرار المالي، والمشاركة في صيانة المال العام، والبعد عن المعاملات المالية المفسدة للاقتصاد الوطني، لينعم الوطن باقتصاد مزدهر، ومتنامٍ ومتنوع وفق رؤية 2030 التي أطلقها سمو ولي العهد في 2017، وهذا مما يشدد على كف التعدي على الممتلكات والأموال العامة والخاصة، وهو ما أشار لها د. محمد التميمي بقيم النزاهة، وقد تطرق لها سمو سيدي ولي العهد في لقاءه الصحفي مع مجلة أتلانتيك حين قال: ” لولا تصدينا للفساد لما كان هناك نمو ولا وزراء أكفاء ولا استثمار أجنبي ” وأكد سمو ولي العهد أن: “معركتنا مع الفساد لا تتسامح مع أي متجاوز حتى وإن سرق 100 دولار”، كما عرج المؤلف لمكافحة الغش والتزييف والخداع والاحتيال بين أفراد المجتمع في التعاملات المالية والاجتماعية أيضاً، وأبرز الكتاب قيمة المحافظة على الأمن الغذائي ومحاربة الهدر الغذائي مع التأكيد على قيم تقدير العمل الإنتاجي ومحاربة البطالة عبر تنمية مهارات الفرد وقدراته، وتحقيق المتعة من خلال العمل النافع المنتج.

ويرى د.محمد أن القيم الأمنية لم تحظ باهتمام كبير رغم ما يعانيه الوطن العربي من صعوبات أمنية، أثرت على طمأنينة هذه المجتمعات وحاضرها ومستقبلها، لذا من المهم تبني المدخل القيمي للمجتمعات وتنميته في المؤسسات التعليمية، بتضمين تلك القيم في الموضوعات التي تقدم للمتعلمين والمتدربين عبر المقررات والكتب المدرسية، والحقائب التدريبية، لتقوي السياج المجتمعي وتعزز السلم الاجتماعي، وتحصن الأفراد من الأفكار الهدامة والشرور التي تحيط بالفرد والمجتمع، ومواجهة أي اختلال يصيب النسق القيمي.

نشرت هذه المقالة يوم

الأربعاء 23 ربيع الأول 1444هـ 19 أكتوبر 2022م

رابط المقال

أضف تعليق